محمد سعيد رمضان البوطي
118
فقه السيرة ( البوطي )
عنها ، ولا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل ولا استحالة في حملها عليه فيحتاج إلى تأويل « 1 » . ويقول ابن حجر في شرحه على البخاري : إن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسده وروحه ، وإلى هذا ذهب جمهور من علماء الحديث والفقهاء والمتكلمين وتورادت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة ولا ينبغي العدول عن ذلك إذ ليس في العقل ما يحيله حتى يحتاج إلى تأويل « 2 » . ومن الأدلة التي لا تقبل الاحتمال ، على أن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح ، ما ذكرنا من استعظام مشركي قريش لذلك ، وتعجبهم للخبر وسرعة تكذيبهم له ، إذ لو كانت المسألة مسألة رؤيا وكان إخباره إياهم لذلك على هذا الوجه ، لما استدعى الأمر منهم أي تعجب أو استعظام أو استنكار ، لأن المرئيات في النوم لا حدود لها ، بل يجوز مثل هذه الرؤيا حينئذ على المسلم والكافر ، ولو كان الأمر كذلك لما سألوه أيضا عن صفات بيت المقدس وأبوابه وسواريه بقصد الإلزام والتحدي . أما كيف تمت هذه المعجزة وكيف يتصورها العقل ، فكما تتم كل معجزة غيرها من معجزات الكون والحياة ! . . لقد قلنا آنفا إن كل مظاهر هذا الكون ليست في حقيقتها إلا معجزات ، فكما تتصور العقول في سهولة ويسر يمكن لها أن تتصورها هذه أيضا في سهولة ويسر . سادسا : احذر وأنت تبحث عن قصة الإسراء والمعراج أن تركن إلى ما يسمى ب ( معراج ابن عباس ) فهو كتاب ملفق من مجموعة أحاديث باطلة لا أصل لها ولا سند ، وقد شاء ذاك الذي فعل فعلته الشنيعة هذه أن يلصق هذه الأكاذيب بابن عباس رضي اللّه عنه ، وقد علم كل مثقف بل كل إنسان عاقل أن ابن عباس بريء منه ، وأنه لم يؤلف أي كتاب في معراج الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، بل وما ظهرت حركة التأليف إلا في أواخر عهد الأمويين . ولما وقف دعاة السوء على هذا الكتاب ووجدوا فيه من الأكاذيب المنسوبة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما يكفل زعزعة إيمان الكثيرين من الناس ، راحوا يروجون له ويدعون إليه - وكان في جملة من كتب عنه مادحا ومعظما الدكتور لويس عوض . وما أدراك من هو لويس عوض - مع أنهم يعلمون قبل سائر الناس أنه كتاب مكذوب على ابن عباس وإن أحاديثه كلها باطلة ، ولكن الكذب سرعان ما ينقلب عندهم صحيحا إذا كان فيه ما يشوش أفكار المسلمين ويلبس عليهم دينهم .
--> ( 1 ) النووي على صحيح مسلم : 2 / 390 . ( 2 ) فتح الباري على صحيح البخاري : 7 / 136 و 137 .